عفيف الدين التلمساني
175
شرح مواقف النفري
ونهايته مراده تعالى أي لا يكون هناك مراد لغيره تعالى وسببه اضمحلال رسم الخلق في وجود الحق تعالى . وفي هذا التنزل الذي بعد هذا ما يقوي هذا الشرح . قوله : ( وقال لي : إذا بدت آيات العظمة رأى العارف معرفته نكرة وأبصر المحسن حسنته سيئة ) . قلت : المراد بآيات العظمة مقدمات ظهور التجلي الكلي المذكور المفني للرسوم ، وتسمية التجلي المذكور عظمة من جهة أن الحق تعالى تظهر عظمته أي تعظم أن يرى معه غيره ، وهذه هي العظمة الحقيقية ، وأما كون العارف يرى معرفته نكرة ، فمن جهة أنه كان فيه قبل مبادئ هذا التجلي الكلي رسم باق يقتضي شهود عارف ومعروف فلما بدت آيات هذه العظمة المذكورة زالت الثنوية بالتجلي فانطمست المعرفة وكأنها صارت نكرة . ( وأما كون المحسن يبصر حسنته سيئة ) فمن جهة أنه كان يبصر أن العامل هو المحسن المذكور فلما بدت آيات هذه العظمة الخاصة رأى نسبة الفعل إلى غير فاعله الحق هو سيئة ، وفي هذا المقام قيل « حسنات الأبرار سيئات المقربين » وبالجملة فمقصوده محو صفة الخلق في ثبوت صفة الحق تعالى والصفة هنا هي الخلق . قوله : ( وقال لي : لا تحمل الصفة ما يحمله العلم فاحفظ العلم منك وقف الصفة على حدّها منه ولا تقفها على حدّها منها ) . قلت : الصفة هنا هي بمعنى الخلقية من المخلوقين ، وكونها لا تحمل ما يحمله العلم إشارة إلى أن العلم أصله التعبد الذي لا يعقل معناه ، والمراد بالعلم هنا العلم الشرعي ، ولكون التعبد مما ينبغي أن تعتقد فيه أنه لا يعقل معناه قال في موقف الأمر « إذا أمرتك بأمر فامض لما أمرتك به ، ولا تنظر به علمي إنك إن تنظر بأمري علم أمري تعص أمري » . فإذن الصفة البشرية لا تحمل ما يحمله العلم ، فيجب إذن أن يحفظ العلم حفظا أي نصوصا ، وتقف الصفة عند حدها أي نهايتها وهو مبلغها من حفظه لا من تأويله ، فإنك إن وقفت الصفة المذكورة على حدها من التأويل وقفتها على حدها منها ، أي من نفسها ، وذلك إخراج للعلم عن سعته المفضية إلى المعرفة إلى ضيق حصر مدارك العقل الذي هو آلة بلا بصيرة فإن البصيرة إنما تكون من الشهود ، فافهم . وباللّه التوفيق .